كيفية رأب الصدع في “فجوة المشاركة” في الموازنات الحكومية

بقلم باولو دي رينزيو، شراكة الموازنة الدولية— May 17, 2016

You are viewing the Arabic translation of this post. View the English version here.

إن إخضاع الحكومات للمحاسبة ليس بالأمر الهين. تعتمد قدرة المواطنين على مراقبة بل والتأثير على كيفية إدارة حكوماتهم للموارد العامة لديها، والتحقق من عكس الاحتياجات والأولويات الخاصة بهم في الموازنات بالشكل الكافي، على مكونين مهمين للغاية:

  1. الوصول إلى المعلومات التفصيلية والتي تصدر في الوقت المناسب حول كل أوجه السياسات المالية والسياسات المتعلقة بالموازنات؛
  2. وفرص مشاركة مؤسسات الدولة في حوار بناء حول تحديد أولويات السياسات وتقييم تنفيذها.

وقد حصل المكون السابق (الشفافية) بشكل تاريخي على اهتمام أكثر من التالي (المشاركة). ورغم ذلك، وكما تظهر العديد من  دراسات الحالة المتعلقة بتوقيت وكيفية تأثير حملات المجتمع المدني على الموازنات الحكومية، لا تكون شفافية الموازنة بمفردها كافية لتحقيق تغييرات إيجابية. ويجب أن تكون منظمات المجتمع المدني (CSO) قادرة على استخدام المعلومات المالية لوضع الضغط على الحكومات. وغالبًا ما يحدث ذلك من خلال قنوات المشاركة المؤسسية، وإن لم تكن تلك الوسيلة هي الوسيلة الوحيدة المستخدمة.

وبمعنى آخر، إذا كان هناك عدد قليل من الطرق للمشاركة في عمليات الموازنة من خلال تقديم التحليلات والدعم من أجل التغيير، يمكن أن ينتهي الأمر بأن تصبح شفافية الموازنة غير ذات صلة أو أهمية. وفي المقابل، فإن المشاركة بدون الشفافية تخاطر بعدم تحقيق فاعلية إذا كانت المتطلبات والنقاشات المتعلقة بالموازنات تعتمد على معلومات محدودة.

قياس فرص المشاركة

لهذا السبب، كانت الشراكة الدولية للموازنة (IBP) تقوم بتشجيع الحكومات على ليس فقط الكشف عن المزيد من معلومات الموازنة، ولكن كذلك فتح القنوات والفرص أمام المواطنين ومنظمات المجتمع المدني من أجل المشاركة في عملية وضع الموازنات. ومنذ مسح الموازنة المفتوحة لعام 2012، بدأنا في قياس المدى الذي تقوم من خلاله الحكومات بتوفير مثل تلك الفرص. وتقوم مجموعة مكونة من 16 سؤالًا بقياس المدى الذي تقوم من خلاله السلطات التنفيذية والسلطات التشريعية وأجهزة الرقابة الأعلى بتوفير الفرص للمواطنين ومنظمات المجتمع المدني وغيرهم من أجل المشاركة في عملية وضع الموازنات.

وكما هو الحال في الأسئلة المتعلقة بالشفافية والتي يصل عددها إلى 109 أسئلة والمستخدمة لبناء مؤشر الموازنة المفتوحة, يمكن أن نقوم ببناء مؤشر مشابه من خلال الأسئلة المتعلقة بالمشاركة. ويوضح الشكل الوارد أدناه نتائج الشفافية والمشاركة لكل الدول التي عددها 102 دولة والمضمنة في  مؤشر الموازنة المفتوحة لعام 2015. ويشير الخط الأحمر إلى المكان الذي تتساوى فيه نتائج الشفافية والمشاركة؛ أما الخط الأرجواني فيشير إلى المكان الذي تكون فيه نتائج المشاركة أقل بمقدار 30 نقطة من نتائج الشفافية:

Budget Transparency and Participation in 2015

شفافية الموازنة والمشاركة في عام 2015. انقر للتكبير.

 

ما الذي يوضحه هذا الشكل لنا؟ في البداية، الإجراءان مرتبطان ببعضهما البعض بشكل إيجابي، فالدول الأكثر شفافية تميل إلى توفير المزيد من الفرص للمشاركة. ثانيًا، يوضح الشكل ما نطلق عليه اسم “فجوة المشاركة”، وهي ما تعد بمثابة الإقرار بأن الدول تميل إلى تحقيق نتائج فيما يتعلق بالشفافية تكون أفضل بكثير من تلك المتعلقة بالمشاركة. وفي أغلب الحالات، تبقى هذه الفجوة في نطاق 30 نقطة، وأغلب النقاط تظهر بين الخطين الأحمر والرمادي، ولكن في بعض الحالات، تكون الفجوة أكبر من 40 نقطة.

وينبغي ألا يتم النظر إلى تلك الفروق في ظاهرها ببساطة؛ فعدد الأسئلة المتعلقة بالمشاركة أقل بكثير من تلك المتعلقة بالشفافية، وكلا المؤشرين يقيسان مفهومين مختلفين للغاية (رغم أنهما مترابطين). ويمكن أن يساعد الاطلاع على بعض الأمثلة على إلقاء الضوء على ما يحدث في الدول التي تظهر بها فجوات ضخمة بشكل متسق بين نتائج الشفافية والمشاركة لتلك الدول.

شفافية أعلى، مشاركة أقل

تعد مالي وروسيا مثالين للإفراط فيما يتعلق “بفجوة المشاركة”. فكلا الدولتين حققتا نتائج شفافية أفضل بكثير من النتائج المتعلقة بتوفير فرص المشاركة.

ومؤشر الموازنة المفتوحة لمالي أكبر بكثير من المتوسط الإقليمي، ورغم ذلك، فإن الفرصة الوحيدة المتاحة للمشاركة في الموازنة تظهر عندما يدعو البرلمان بعض الخبراء من المجتمع المدني من أجل عرض آرائهم أثناء جلسات الاستماع المتعلقة بالموازنة. ويشيع هذا الوضع بشكل كبير في مختلف أرجاء إفريقيا، كما هو الحال في  المغرب وموزمبيق, وهما دولتان “فجوات المشاركة” بهما ضخمة.

وفي روسيا، وفي حين أن السلطة التنفيذية قد اتخذت إجراءات مبدئية من أجل إجراء الاستشارات مع منظمات المجتمع المدني حول الأمور المالية، لم تقم السلطة التشريعية ولا جهاز الرقابة الأعلى بوضع آليات لإشراك المواطنين. وفي كل هذه الدول، لا تؤدي إتاحة معلومات الموازنة للجمهور إلى المحاسبة نظرًا لعدم توافر فرص المشاركة.

مشاركة أعلى، شفافية أقل

من المثير للاهتمام أن بعض الدول تعد مثالاً للموقف المعاكس لذلك. وتعد فنزويلا وفيتنام مثالين للدول التي تكون المشاركة فيها أقوى بكثير من الشفافية، رغم حقيقة أن كلا الدولتين لما تحققا نتائج إيجابية قوية في أي بعد من هذين البعدين.

ففنزويلا، على وجه الخصوص، تقوم بنشر وثيقتين فقط من وثائق الموازنة الثمانية الرئيسية التي ينظر المسح في أمرها، وحتى هاتين الوثيقتين لا تحتويان إلا على تفاصيل محدودة فقط. إلا أن قانون مكافحة الفساد لعام 2014 يفرض الآن على السلطة التنفيذية تقديم مسودات لقانون إطار عمل الموازنة متعدد الطبقات وقانون الموازنة للحصول على استشارات من الجمهور قبل أن يتم عرضهما على الجمعية الوطنية. كما يحق للمواطنين ومنظمات المجتمع المدني كذلك المشاركة في صياغة وتقييم وتنفيذ الموازنة.

وتحقق فيتنام نتائج أفضل قليلاً من فنزويلا فيما يتعلق بجبهة الشفافية، حيث تقوم بنشر خمس وثائق من وثائق الموازنة الثمانية. كما تقوم كذلك بتوفير فرص مهمة للمواطنين للمشاركة، سواء من خلال السلطة التشريعية أو من خلال وكالة المراجعة. وقد حدد مرسوم الديمقراطية الشعبية لعام 2007 هذه الفرص من خلال فتح المجال أمام الحوار والمشاركة على المستوى المحلي، بما في ذلك الأمور التي تخص الموازنة. والتحدي الرئيسي في كلا الدولتين يتمثل في التحقق من دعم مساحات المشاركة بالكشف بشكل كافٍ عن معلومات الموازنة ذات الصلة.

شفافية عالية، مشاركة عالية

مع ذلك، هناك دولتان تعدان بمثابة التجسيد للنماذج الأكثر إيجابية للجمع بين الشفافية والمشاركة، وهما: كوريا الجنوبية والسويد.

فكوريا الجنوبية حققت نتائج متميزة في الشفافية. فهي واحدة من أفضل الدول التي تجسد فكرة ضرورة تواجد فرص متعددة للمواطنين من أجل المشاركة في عملية الموازنة في مختلف مراحلها (انظر دراسة الحالة). وقد قامت وزارة المالية بإنشاء مجلس استشاري يشتمل على خبراء من المجتمع المدني ويقوم بإدارة نظام مفتوح للاقتراحات يمكن أن يقوم المواطنون من خلاله بتوفير أفكار تتعلق بالسياسات والإبلاغ عن حالات إهدار الإنفاق. ويتم بث جلسات الاستماع الخاصة بالموازنة والتي يتم عقدها في الجمعية الوطنية عبر التلفاز، كما تشتمل على شهادات من الجمهور، كما يتم نشر محضر الجلسات الخاصة بها. وتقوم مؤسسة المراجعة، والتي تقوم بتشغيل خط ساخن للإبلاغ عن حالات الاحتيال والمخالفات، بشكل منتظم بإجراء المراجعات اعتمادًا على المقترحات التي تحصل عليها من الجمهور.

تعد السويد مثالاً للدولة التي تمتلك قدرًا كبيرًا من الشفافية — فهي تأتي في المكانة الثانية في مؤشر الموازنة المفتوحة — بالإضافة إلى امتلاكها لآليات مشاركة قوي بشكل معقول. ولا تتعلق تلك الآليات بالضرورة بالموازنات، ولكنها توفر للمواطنين بكل تأكيد الفرص للمشاركة مع الحكومة في الأمور المتعلقة بالموازنة.

تبذل الفلبين كذلك جهدًا كبيرًا لتعزيز الشفافية والمشاركة معًا (انظر دراسة الحالة). وقد استطاعت الدولة تحسين نتيجتها فيما يتعلق بمؤشر الموازنة المفتوحة مع فتح المجال في نفس الوقت أمام فرص المشاركة من خلال  مبادرة الموازنة من أسفل لأعلى.

كيف يمكن أن تتحسن الحكومات؟

بصفة عامة، من المفيد أن تبدأ الحكومات من خلال تحسين شفافية الموازنة قبل أن تبدأ في التركيز على المشاركة. إلا أن الدول يجب أن تكون على حذر من أن تصبح فجوة المشاركة ضخمة للغاية من خلال خلق التوازن بين البعدين أثناء قيامها بالكشف عن عمليات الموازنة الخاصة بها بشكل تدريجي.

وإليكم مجموعة من الأمور القليلة التي يمكن أن تبدأ الحكومات في تنفيذها من أجل البدء في التعامل مع هذه الفجوة:

  1. تكريس آليات المشاركة لكل من صياغة الموازنة وتنفيذها في القوانين واللوائح، والتحقق من تنفيذها.
  2. توفير المعلومات الكافية للجمهور حول العمليات التشاركية المتاحة بالإضافة إلى ملاحظات حول كيفية استخدام المدخلات التي قاموا بتوفيرها.
  3. التحقق من فتح جلسات استماع الموازنة التي يتم عقدها في البرلمان أمام العامة وتوفير المساحات لكي يقوم المواطنون ومنظمات المجتمع المدني بالتعليق على كل أوجه الموازنات الحكومية وتقديم الشهادات عليها، بما في ذلك نتائج وتقارير المراجعة.
  4. خلق آليات لمساهمة المواطنين ومنظمات المجتمع المدني للمساهمة في تحديد خطة مراجعة جهاز الرقابة الأعلى والتحقيقات الفعلية المتعلقة بالمراجعة متى أمكن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *